ابن قيم الجوزية

493

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وكذلك يحمله على استقباح جنايته ، وهذا الاستقباح الحاصل بالحياء قدر زائد على استقباح ملاحظة الوعيد . وهو فوقه . وأرفع منه درجة : الاستقباح الحاصل عن المحبة ، فاستقباح المحب أتم من استقباح الخائف ، ولذلك فإن هذا الحياء يكف العبد أن يشتكي لغير اللّه ، فيكون قد شكا اللّه إلى خلقه ، ولا يمنع الشكوى إليه سبحانه ، فإن الشكوى إليه سبحانه فقر ، وذلة ، وفاقة ، وعبودية ، فالحياء منه في مثل ذلك لا ينافيها . قال « الدرجة الثانية : حياء يتولد من النظر في علم القرب ، فيدعوه إلى ركوب المحبة ، ويربطه بروح الأنس ، ويكرّه إليه ملابسة الخلق » . النظر في علم القرب : تحقيق القلب بالمعية الخاصة مع اللّه . فإن المعية نوعان : عامة . وهي : معية العلم والإحاطة . كقوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] وقوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا [ المجادلة : 7 ] . وخاصة : وهي معية القرب ، كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 ) [ النّحل : 128 ] وقوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 153 ] وقوله : وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] . فهذه معية قرب . تتضمن الموالاة ، والنصر ، والحفظ . وكلا المعنيين مصاحبة منه للعبد . لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة . وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة . ف « مع » في لغة العرب تفيد الصحبة اللائقة ، لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ، ولا مجاورة ، ولا مجانبة . فمن ظن منها شيئا من هذا فمن سوء فهمه أتي . وأما القرب : فلا يقع في القرآن إلا خاصا . وهو نوعان : قربه من داعيه بالإجابة ، وقربه من عابده بالإثابة . فالأول : كقوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ البقرة : 186 ] ولهذا نزلت جوابا للصحابة رضي اللّه عنهم . وقد سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ربّنا قريب فنناجيه ؟ أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية » . والثاني : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أقرب ما يكون العبد من ربه : وهو ساجد . وأقرب ما يكون الرب من عبده : في جوف الليل » فهذا قربه من أهل طاعته . وفي الصحيح : عن أبي موسى رضي اللّه عنه ، قال : « كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في سفر ، فارتفعت أصواتنا بالتكبير ، فقال : يا أيها الناس ، اربعوا على أنفسكم . إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا ، إن الذي تدعونه سميع قريب . أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » . فهذا قرب خاص بالداعي دعاء العبادة والثناء والحمد . وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه ، واستواءه على عرشه . بل يجامعه ويلازمه . فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض . تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، ولكنه نوع آخر . والعبد في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب بينه وبينه مفاوز تتقطع فيها أعناق المطيّ . ويجده أقرب إليه من جليسه . كما قيل :